أفلام الألفين

رجلان يختبران قوة إيمانهما في غرفة واحدة

2011 The Sunset Limited

عساف الروسان | 2011 The Sunset Limited

I ain’t a doubter, but I am a questioner

في الفيلم التلفزيوني المستند على مسرحية كورماك مكارثي الحائز على جائزة بوليتزر. رجلين في غرفة واحدة يواجهان بعضهما البعض، كل منهما يحمل معتقدات على النقيض من الآخر.

هذه الدراما قائمة على شخصيتين فقط، أبيض وأسود. الأسود (صامويل جاكسون) استطاع أن يحبط محاولة الأبيض الأستاذ الجامعي (تومي لي جونز) من الانتحار ورمي نفسه أمام القطار في مترو الأنفاق. كل من الممثلين يمتلك الكاريزما  والحضور المحبب على الشاشة، وهي سمة ضرورية في هذا الفيلم المصور في مكان واحد، داخل شقة صغيرة ومتواضعة في الأحياء الفقيرة. عنوان الفيلم هو نفسه عنوان المسرحية الذي يشير إلى قطار مترو في بروكلين، القطار الذي يريد  الأبيض أن يقفز أمامه، ليدخل في حالة من الصمت، والظلام. فمن وجهة نظر الأبيض أن الأشياء لا بد أن تتلاشى في نهاية المطاف مهما بلغ عظمها. وهذا على النقيض من اعتقاد الأسود الذي يؤمن بوجود الله وأننا جميعاً سنمر في امتحان الحياة لنصل الى الجنة في نهاية المطاف.

الأبيض مصمم على الإنتحار نراه حزين ومثير للشفقة، على درجة عالية من الثقافة والنجاح كما يظهر لنا الحوار كما ويناديه الأسود بروفيسور، ومع ذلك لا يجد سبيل للسعادة في هذا العالم. ويعتقد أن السبيل للتخلص من هذا الوجود الكئيب يكون فقط عن طريق الموت ليحل مكانه الوحدة الصامتة. لكنه في نفس الوقت مستعد لأن يمنح نفسه والأسود فرصة لتغيير قناعاته.

أسود وبحسب روايته أنه رجل ارتكب جريمة قتل وكان بعيدا عن الله، ولكن قد تغير الآن. لذلك يحبس الأبيض في شقته، وهو عازم على إقناعه بالعدول عن خطته، بل هو مقتنع أنه عليه فعل ذلك فالقدر هو من وضعه في طريق الأبيض، ليدخل مع الأبيض في محادثة عميقة حول نوايا الأبيض ومحاولة ارشاده لطريق الإيمان والأمل. لكن الوقت يمر وموعد مرور القطار القادم اقترب وحياة رجل على المحك، والسبيل لإنقاذه فقط عبر الكلمات .

الفيلم أيضاً من إخراج تومي لي جونز، ولأن أساس القصة هو الحوار بين الشخصيات ،والبحث الفلسفي في طبيعة الإيمان، و وجودالله والغرض من الحياة، يستخدم تومي لي جونز كاميرات متعددة، للانتقال والقطع بين المشاهد، فيبقى الاتصال بين المشاهد والممثل مستمر كأننا جزء من المحادثة. جونز أيضا يتيح للكاميرا أن تتحرك كثيراً مع تناغم مع صوت الموسيقى، ثم  يتريث عند الضرورة، أمام  عيون الشخصيات، ليعكس لنا حالة التفكير، الترقب ورد الفعل، هذا سيحدث مرارا وتكرارا مع تبادل الغلبة في النقاش.

لا تخلو هذه الدراما من حس الفكاهة والسخرية المريرة نظراً للظروف البائسة التي جمعت الغريبين، خلال ثلثي الفيلم، الأسود هو من يقود النقاش ويحدد مساره، ويستمر النقاش في التحول ما بين  الدفاع عن المعتقدات الشخصية تارة والى محاولة أقناع الآخر تارة أخرى، و يحاول كل منهما الوصول الى الآخر من خلال نقاش فلسفي على المستوى العقلاني والروحي والعاطفي، النقاش ليس فقط حول طبيعة الإيمان بل يمتد كرحلة فكرية عن غموض عالم البشر واسئلة حول فهمنا وإدراكنا للدين والحياة.

في النهاية نحن أمام اثنين من الرجال يختبران قوة إيمانهما، واحد يؤمن بالله، والآخر في العدم.


الوسوم
اظهر المزيد

عساف الروسان

مشاهد عادي يحب الأفلام ومؤسس موقع وقناة جخه موفي
– أول عربي يتكلم عن الأفلام على اليوتيوب
– يمارس النقد السينمائي بشكل محترف منذ العام 2010.
– حائز على جائزة وزارة الثقافة الأردنية 2007 في حقل القصة القصيرة.
– مدير المحتوى والشبكات الإجتماعية في ياهو سابقاً.

مقالات ذات صلة

رأيك؟ أضف تعليق!