أنا و الأفلام

عساف الروسان | أنا والأفلام

إن كنت وصلت الى هذه الصفحة اختيارياً لقراءة هذه الكلمات فمن المرجح أن ما يجمعنا  ببساطة  هو “حب الأفلام”.

من أنا ؟ سؤال سهل الاجابة عنه للوهلة الأولى، ولكن  بصدق، كيف من الممكن أن أكتب عن نفسي وتجنب الوقوع في فخ النرجسية؟ فأكثر ما يخيفني ان ابدأ بسرد “انجازات” قد لا تعني أحداً سواي . لذلك في شهر سبتمبر الماضي طلبت من جميع المتابعين عبر صفحة الفيسبوك أن يتقدموا بسؤالي عن أي شيء في خاطرهم وكان هدفي آنذاك كما هو هدفي الآن أن اكتشف ما الذي أقوم به من خلال جخه موفي، لماذا أتكلم عن الأفلام وما هو الهدف فلربما هكذا ومعكم أعرف المزيد عن نفسي وعن هذه الرحلة وأتعلم أكثر.

أذكر أول مرة دخلت فيها إلى قاعة السينما، كنت أبلغ من العمر ثلاث سنوات، ولكي أكون أكثر دقة سألت والدتي (كم كان عمري عندما ذهبنا جميعاً لمشاهدة فيلم ريم البندلي؟)، ضحكت وقالت لي ثلاث سنوات ونصف وعندما انتهى الفيلم وعادت الأضواء كانت دموعك تنهمر، هل تذكر ماذا أجبتني عندما سألتك لماذا تبكي؟ لقد قلت أن دخان الإنفجار خرج من الشاشة ودخل عينيك.

مازلت أستغرب كيف احتفظت ذاكرتي بتلك اللحظة، لا أذكر بالطبع جميع مشاهد الفيلم لكن صورة الإنفجار وافتراق العائلة ما زالت مطبوعة في ذاكرتي حتى اليوم، ولربما بكائي الذي كان سبب تندر إخوتي لسنوات هو سبب آخر في احتفاظي بتلك التجربه. لكن الاكتشاف الأروع كان عندما شرحت لي والدتي أن ما رأيته خيال وتمثيل وهو ما أثار فضولي نحو هذه العالم لتصبح طفولتي ممتعة من خلال تقليد شخصيات أراها على التلفاز أو تقمص شخصيات ابتكرها، وبالرغم من ذلك لا زلت مصراً أن دخان الانفجار دخل عيني.

البعض يسميها هروب من الواقع ولكن بالنسبة لي السينما بوابة خيالية لفهم الواقع، فالفيلم الجيد مثل زيارة طبيب لتشخيص حالة واقتراح علاج وربما لا يتعدى العلاج تسكين الألم، أو جرعة أمل. لكن بلا شك التجربة تحتاج لشجاعة وقد تكون مصدر إلهام. هذا الشعور ما أريده وأسعى له عند مشاهدة أي فيلم، أحياناً أحصل على ما أريد وكثيراً ما تكون التجربة أبعد من ذلك.

لم تبدأ ثقافتي الفلمية فعلياً حتى السابعة عشرة من عمري عندما استخرجت البطاقة الشخصية من الأحوال المدنية وأصبح بإمكاني استئجار أفلام فيديو – VHS  من أحد المحلات في مدينة اربد يدعى سمير سنتر، كان المركز مكتظ بالأفلام القديمة والجديدة نسبياً ولأن معرفتي بالممثلين والمخرجين كانت سطحية قررت اختيار الأفلام حسب ترتيبها على الرف، وهكذا ثلاثة أفلام في كل مرة بالترتيب الهجائي واحد تلو الآخر، واستطيع بكل ثقة أن أدعي مشاهدة جميع الأفلام في المحل في أقل من عام. هذه التجربة كانت بالنسبة لي النواة الأساسية التي كونت نوعية الأفلام التي أسعى اليها وأفضلها ومشاهدة فيلم أو تمثيل متواضع جعلتني أقدر أكثر صناعة الفيلم الجيد.

أثناء الدراسة الجامعية انتقل فضولي إلى عالم السينما والأفلام الى مرحلة أخرى، فبسبب إنضمامي للمرسم الجامعي في السنة الأولى حتى التخرج أتاح لي الرسم الفرصة لإعادة النظر والبحث عن الجمال في ما حولي، لذلك أصبحت الصور السينمائية وفن تصوير المشهد أحد أهم العناصر التي اسعى إليها عند مشاهدة فيلم وأحياناً تمدني بالإلهام لفكرة لوحة جديدة، وبصراحة لم أكن موهوباً بالفطرة فقط أنا شخص عادي يحب الرسم، لذلك أتاح لي المرسم والصداقات التي كونتها مع فنانين محترفين وبمراقبتهم وإرشادهم لي أن أطور من مهارتي، وأنا لا أصرح بهذا من باب التواضع فهذه هي الحقيقة فعلياً والتي بالإمكان التحقق منها من خلال مشاهدة الفرق بين أول ما رسمته في طفولتي (دب باندا – من وحي الواقع) وبين آخر رسم (كمان من وحي الواقع)!!


عندما أنظر للخلف وأرى كيف تقاطعت لحظات معينة من عمري مع الأفلام لا أستطيع أن أتجاهل مرحلة الانتقال للكتابة وبالتحديد كتابة الفصة القصيرة، كانت التجربة الأولى في 2001 عندما أصابني شكل من أشكال الجمود الفني ولم استطع الرسم لأتوجه نحو ورقة وقلم، هذه التجربة استمرت معي فيما بعد لأحصل على جائزة وزارة الثقافة – اربد مدينة الثقافة الأردنية عن حقل القصة القصيرة 2007م. لكن ما يميز القصة الأولى بالنسبة لي بالإضافة الى أنها البداية هو مشاركتي بتلك القصة في مسابقة القصة القصيرة على مستوى الجامعات، لم أنل من خلال تلك القصة أي من المراكز الثلاثة الأولى، لكن كنت واحد من العشر الأوائل مما منحني جائزة تقديرية عبارة عن مجموعة من الكتب والقصص المنشورة برعاية وزارة الثقافة، منها كتاب فضاءات سينمائية للفنان يوسف يوسف وتلك كانت المرة الأولى التي أدرك فيها امكانية تناول الفيلم و التحدث عنه ونقده بطريقة مفهومه وممتعة. وبالتأكيد كان لهذه المرحلة الفضل في الاهتمام بسيناريو الفيلم، طريقة السرد، وبناء الشخصيات وترجمتها على الشاشة، وفي بعض الأحيان المقارنة بين المصوّر والمكتوب.

في الثلاثين، وبعد ثورة شبكات التواصل الاجتماعي واليوتيوب، قررت الاستقالة من عملي – مدير المحتوى والشبكات الاجتماعية في ياهو-مكتوب. لم يكن مقدراً لجخه موفي أن يظهر حتى كفكرة إلا بعد ذلك بعام، ربما بداعي الاشتياق!! المهم الصدفة وزوجتي كانا السبب لأتمكن ولأول مرة من الحديث عن الأفلام بشكل علني، وبسبب انعدام الخبرة وتواضع الأدوات تشكل لدي فضول من نوع آخر نحو تقنيات التصوير والمونتاج والإضاءة والإخراج، لتصبح أحد أهم العناصر التي تجذبني عند مشاهدة فيلم وتقييمه. هذه التجربة بالذات لا يمكن وصفها، وما زلت حتى هذه اللحظة في حالة من الذهول أن أجد أشخاص يحبون الأفلام مثلي وأكثر مني أيضاً، ما زلت وفي كل مرة يتم التواصل معي من أحد المتابعين أشعر بالرهبة والخجل، فما زلت غير قادر على استيعاب  أن هناك من يهتم بالاستماع لي أو مشاهدتي وأنا أتكلم عن الأفلام.

اAssaf Alrousanنا لست مغرماً بالأوائل ومع ذلك أدعي أني أول عربي يقوم بالحديث ومراجعة الأفلام باللغة العربية على اليوتيوب، ومع رداءة الصوت والصورة في معظم الفيديوهات المنشورة والتي شكلت البدايات، وبالرغم من أمتلاكي الآن لبعض المعرفة التي تمكنني من إعادة نشر المراجعات القديمة بجودة أفضل، إلا أنني لا أرغب بذلك، ربما لتذكيري بالبدايات وتذكيري بمن دعموني من المتابعين الذين أتاحوا الفرصة لي بسماعي وتقديم النصح والإيمان بالفكرة. وربما يجب أن تبقى كما هي حتى يرى كل من يرغب بخوض التجربة في المستقبل أن ما يهم هو رأيك، فرأيك إن كان صادقاً سيصل وسيتغاضى الجميع عن العقبات التقنية وسيقدمون لك النصح لتتقدم. أرغب في أن أصدق أن يوماً ما ستكون هذه التجربة مصدراً لإلهام البعض على الأقل لولدي. لكن ما أنا متأكد منه أن هذه التجربة ما زالت في بدايتها ولن تختلف كثيراً عن حبي للرسم، طالما أحب الأفلام وأتعلم وأستقبل النصح والإرشاد سأكتسب وأطور مهارات تساعدني على التعبير عن رأيي بالأفلام.

أتأمل أن أستمر في ما أقوم به، أتمنى أن تجد هذه السطور من يقرأها ويرى الإلهام للتقدم خطوة والبدء بالحديث عن الأفلام (أن تكون وحيداً ليس بالأمر الممتع)، ولربما في المستقبل القريب نشهد مجتمع عربي متكامل على اليوتيوب مهتم بمراجعة الأفلام ونقدها. مجتمع كامل قادر على تغيير النظرة نحو ماهية النقد السينمائي قادر على تسليط الضوء على فن السينما ليحتل مكانه الطبيعي بين الناس لا ينفصل عنهم ومقدم لهم ويحترمهم باعتبارهم العنصر المهم في هذه الصناعة. أتمنى أن أكون قد وفقت في تجنب الوقوع في فخ النرجسية، واقتربت أكثر من هدفي لمعرفة ما الذي أقوم به ولماذا أتكلم عن الأفلام.

عساف الروسان

11-فبراير 2015


في سطور

  • مشاهد عادي يحب الأفلام ومؤسس موقع وقناة جخه موفي
  • أول عربي يتكلم عن الأفلام على اليوتيوب
  • يمارس النقد السينمائي بشكل محترف منذ العام 2010.
  • حائز على جائزة وزارة الثقافة الأردنية 2007 في حقل القصة القصيرة.
  • مدير المحتوى والشبكات الإجتماعية في ياهو سابقاً.
  •  يحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال  وتطبيقات تكنولوجيا الويب من جامعة اليرموك

 

اظهر المزيد

عساف الروسان

مشاهد عادي يحب الأفلام ومؤسس موقع وقناة جخه موفي
– أول عربي يتكلم عن الأفلام على اليوتيوب
– يمارس النقد السينمائي بشكل محترف منذ العام 2010.
– حائز على جائزة وزارة الثقافة الأردنية 2007 في حقل القصة القصيرة.
– مدير المحتوى والشبكات الإجتماعية في ياهو سابقاً.

رأيك؟ أضف تعليق!